
For English, press here
تعتمد هذه الورقة على قاعدة البيانات الفعاليات السلمية في مصر خلال عامي 2025 و 2024 .
لتحميل الورقة كاملة بنسخة PDF برجاء الذهاب إلى المرفقات أدناه.
أولا: الملخص التنفيذي::
تُسجّل قاعدة بيانات الفعاليات الاحتجاجية في مصر لعام 2025 الصادرة عن مخزن البيانات المفتوحة (Open Data Tank ODT) رقماً استثنائياً يبلغ 1,849 فعالية احتجاجية، مقارنةً بـ 420 فعالية في عام 2024، بمعدل نمو بلغ 340% خلال عام واحد. يُعدّ هذا المستوى الأعلى قياساً منذ سنوات طويلة في مصر، وهو انعكاسٌ مباشر لتراكم ضغوط اقتصادية غير مسبوقة خلال الفترة 2022-2025، ويحمل في طياته مؤشرات بنيوية أعمق تتصل بانكسار الحاجز النفسي لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
تحوّلت بنية الاحتجاج في 2025 تحوّلاً جوهرياً على مستويين متزامنين: أولهما، الانتقال من هيمنة المطالب الحقوقية (71% في 2024) إلى هيمنة المطالب الاقتصادية (64% في 2025)؛ وثانيهما، انقلاب ترتيب الفئات المنظِّمة للفعاليات، إذ تصدَّر موظفو القطاع العام بـ 481 فعالية (مدفوعين في غالبيتهم بالحراك الضخم للعاملين في قطاع المياه)، متجاوزين السجناء السياسيين (401) والنقابات المهنية المستقلة (383) وعمال القطاع الخاص (281). كما برزت أشكال الاحتجاج الميداني المباشر بصورة غير مسبوقة: التظاهرات (من 47 إلى 624) والاعتصامات (من 13 إلى 73).
تُوصي هذه الورقة بجملة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية المتعلقة بحرية التجمع وحقوق العمال ومنظومة الأجور والمساءلة الأمنية، استناداً إلى الالتزامات الدولية لمصر وتوصيات الاستعراض الدوري الشامل (UPR) التي لم تُنفَّذ.
ثانيا: المقدمة:
تصدر هذه الورقة في إطار سلسلة تحليلات السياسات التي يُصدرها مخزن البيانات المفتوحة (Open Data Tank ODT) استناداً إلى قواعد بياناته المرصودة ميدانياً. وتتناول بالتحليل قاعدة بيانات الفعاليات الاحتجاجية في مصر لعام 2025، مستندةً إلى المنهجية ذاتها المعتمدة في إصدار 2024، وهي منهجية تُعرّف الفعالية الاحتجاجية بأنها: أي “تحرك أو مطالبة جماعية أو فردية” تستهدف الحصول على حقوق أو تحقيق مطالب حقوقية أو اقتصادية أو اجتماعية.
تحمل البيانات التي تكشفها هذه الورقة دلالة مزدوجة: فهي من جهة وثيقة كمية تُثبت حجم التحولات الاجتماعية الجارية، ومن جهة أخرى مؤشر إنذاري على حالة التوتر المجتمعي المتراكم في غياب منافذ مشروعة للتعبير ومعالجة المظالم الاقتصادية.
يُضاف إلى الإصدار السابق متغيرٌ جديد هو “قطاع الفعالية”، يُتيح قراءة أعمق في طبيعة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية التي استُنهض فيها الحراك الاحتجاجي، ويكشف عن أنماط قطاعية لم تكن مرئية بالتحليل الفئوي التقليدي.
ثالثا: الخلفية العامة:
1. الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة
شهدت مصر خلال الفترة 2022-2025 أزمة اقتصادية هي الأشد وطأة منذ عقود، تجلّت في ثلاثة تعويمات متتالية للجنيه المصري فقد معها ما يزيد على ثلثيْ قيمته أمام الدولار، إذ انخفض سعر الصرف من نحو 16 جنيهاً للدولار في 2022 إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً في 2024. وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، مع تضاعف أسعار السلع الأساسية 3 إلى 4 أضعاف في فترة وجيزة، مما أنهك القدرة الشرائية لقطاعات عريضة من المجتمع.
في هذا السياق، ظل الحد الأدنى للأجور غير مُطبَّق بصورة فعلية في القطاع الخاص ولدى كثير من المؤسسات العامة، مما أفضى إلى تآكل حاد في الأجور الحقيقية طال موظفي القطاع العام أيضاً. وقد باتت الطبقة العاملة والطبقة الوسطى تواجهان تحدياً وجودياً يتمثل في العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية بأجور ثابتة في مواجهة تضخم متصاعد.
2. السياق الإقليمي: الحروب وعدم الاستقرار
تزامنت هذه الأزمة الاقتصادية مع موجة من الاضطرابات الإقليمية الحادة؛ إذ أثّرت حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023 تأثيراً مباشراً على السياحة ومرور البضائع، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية لتراجع عائدات قناة السويس جراء تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر. وانعكست هذه التطورات على شرائح المجتمع المصري انعكاساً متبايناً؛ فمن ناحية، رفعت نقابات المحامين والصحفيين بواعث تضامنية مع القضية الفلسطينية، ومن ناحية أخرى، تشابك الوضع الإقليمي مع المشكلات الاقتصادية في تعميق حدة المطالب الاجتماعية.
3. الحوار الوطني 2022: محاولة بناء الجبهة الداخلية
في مواجهة هذه الأزمة المتصاعدة، أطلقت السلطة الحوار الوطني في أبريل 2022 باعتباره آليةً لإدارة التوترات الاجتماعية والسياسية واحتوائها ضمن إطار مضبوط، لا منهجاً للإصلاح الفعلي. غير أن الحوار الوطني لم يُفضِ إلى نتائج ذات أثر ملموس في السياسات الاقتصادية أو الإفراج عن المعتقلين السياسيين. وقد كشفت التطورات اللاحقة -ولا سيما بيانات 2025- أن هذا الاستيعاب الشكلي لم يكن كافياً لامتصاص الضغط الاجتماعي المتراكم، الذي وجد منفذه أخيراً في موجة الاحتجاجات غير المسبوقة التي شهدها العام 2025.
رابعا: استعراض الأرقام وقراءتها:
يستعرض هذا القسم الأرقام الرئيسية من قاعدتَي البيانات (2024 و2025) مع المقارنة الكمية.
أ. الحجم الإجمالي والنمو
| المؤشر | 2024 | 2025 | النسبة (2024 / 2025) |
| إجمالي الفعاليات | 420 | 1,849 | — / ▲ 340% |
| الربع الأول | 88 | 301 | 21% / 16.3% |
| الربع الثاني | 71 | 686 | 16.9% / 37.1% |
| الربع الثالث | 130 | 268 | 31% / 14.5% |
| الربع الرابع | 131 | 594 | 31.2% / 32.1% |
ب. التوزيع الجغرافي
| الإقليم الجغرافي | 2024 | 2025 | الفرق |
| المحافظات المركزية (القاهرة+الجيزة+الإسكندرية) | 218 | 958 | 51.9% / 51.8% |
| محافظات الدلتا | 165 | 486 | 39.3% / 26.3% |
| محافظات الصعيد | 30 | 254 | 7.1% / 13.7% |
| المحافظات الحدودية | 4 | 103 | 1% / 5.6% |
| مدن القناة | 3 | 48 | 0.7% / 2.6% |
ملاحظة جغرافية بارزة: محافظة البحيرة قفزت من 8 فعاليات في 2024 إلى 217 في 2025، مدفوعةً في معظمها (196 فعالية) بإضرابات الطعام داخل مراكز الإصلاح والتأهيل. وسجّلت القاهرة وحدها 420 فعالية في الربع الرابع، ارتبط غالبيتها بالتظاهرات الميدانية لعمال قطاع المياه.
ج. أنواع الفعل الاحتجاجي
| نوع الفعل | 2024 | 2025 | معدل النمو |
| إضراب عن العمل | 54 | 511 | 12.9% / 27.6% |
| إضراب عن الطعام داخل مكان احتجاز | 199 | 400 | 47.4% / 21.6% |
| إضراب عن الطعام خارج الاحتجاز | 93 | 202 | 22.1% / 10.9% |
| تظاهرة ميدانية | 47 | 624 | 11.2% / 33.7% |
| اعتصام ميداني | 13 | 73 | 3.1% / 4% |
| بيان مطالب واستغاثة إعلامية | 14 | 39 | 3.3% / 2.1% |
د. تصنيف سبب الفعل الاحتجاجي
| تصنيف السبب | 2024 | 2025 | النسبة في كل عام |
| مطالب اقتصادية | 86 | 1,184 | 20.5% / 64% |
| مطالب حقوقية | 300 | 634 | 71.4% / 34.3% |
| مطالب سياسية | 18 | 22 | 4.3% / 1.2% |
| مطالب اجتماعية | 16 | 9 | 3.8% / 0.5% |
هـ. تصنيف الفئات المنظِّمة
| الفئة المنظِّمة | 2024 | 2025 | الحضور النسبي في 2025 |
| قطاع عام / موظفون | 18 | 481 | — / 26% |
| سجناء سياسيون | 203 | 401 | 48.8% / 21.7% |
| نقابات مهنية وروابط مجتمعية مستقلة | 0 | 383 | — / 20.7% |
| عمال قطاع خاص وباليومية | 65 | 281 | 15.6% / 15.2% |
| ناشطية حقوقية | 96 | 214 | 23.1% / 11.6% |
| صحافة وإعلاميون | 7 | 68 | 1.7% / 3.7% |
| ناشطية اجتماعية وثقافية وسياسية | 18 | 18 | 4.3% / 1% |
| طلاب | 4 | 2 | 1% / 0.1% |
و. الاستجابة القمعية
| نوع الاستجابة | 2024 | 2025 | النسبة في كل عام |
| فعاليات شهدت قمعاً | 280 | 303 | 66.7% / 16.4% |
| فعاليات بلا استجابة قمعية | 140 | 1,546 | 33.3% / 83.6% |
ز. قطاع الفعالية (متغير جديد في إصدار 2025)
يُشكّل متغير “قطاع الفعالية” إضافةً منهجية نوعية لقاعدة بيانات 2025؛ إذ يُمكّن من رصد القطاعات الاقتصادية والاجتماعية التي استُنهض فيها الحراك الاحتجاجي بدقة أعلى مما يتيحه تصنيف الفئات المنظِّمة منفرداً. والجدول التالي يعرض التوزيع الكامل:
| قطاع الفعالية | عدد الفعاليات | النسبة | النوع الاحتجاجي الأغلب |
| الزراعة والمياه (خدمات المياه والصرف الصحي) | 447 | 24.2% | تظاهرة ميدانية (428) |
| مراكز الإصلاح والتأهيل والاحتجاز | 401 | 21.7% | إضراب عن الطعام داخل احتجاز |
| المحاماة | 382 | 20.7% | إضراب عن العمل (270)، تظاهرة (111) |
| صحافة وثقافة ومجتمع مدني | 289 | 15.6% | إضراب عن الطعام خارج الاحتجاز (202) |
| شركات ومصانع أخرى (قطاع خاص) | 152 | 8.2% | إضراب عن العمل (126) |
| الإنشاءات والعقارات | 60 | 3.2% | إضراب عن العمل (50) |
| الطاقة والتعدين | 52 | 2.8% | تظاهرة ميدانية (33)، إضراب (11) |
| مسؤولون وهيئات نظامية وسيادية | 28 | 1.5% | إضراب عن العمل (27) |
| الصحة | 16 | 0.9% | إضراب عن العمل (9)، تظاهرة (6) |
| التعليم والبحث العلمي | 7 | 0.4% | تظاهرة ميدانية (6) |
| النقل والموانئ | 4 | 0.2% | بيان مطالب، إضراب |
| المصارف والرياضة | 6 | 0.3% | تظاهرة ميدانية |
خامسا: تحليل الأرقام ودلالاتها:
1. تبدُّل بنية الفاعل الاحتجاجي: القطاع العام في الصدارة:
استأثر موظفو القطاع العام بـ 481 فعالية (26% من الإجمالي)، ويتمركز هذا الرقم في حدوده القصوى ضمن قطاع المياه والخدمات (445 من أصل 481 فعالية). يُشير هذا إلى أن الأزمة الاقتصادية لم تطل القطاع الخاص وحده، بل اخترقت المؤسسات الحكومية ذاتها، حيث عجز موظفون رسميون مرتبطون بالدولة عن تحمّل الفجوة بين أجورهم المجمّدة وتكاليف المعيشة المتضاعفة.
هذه الظاهرة ذات دلالة مضاعفة في التحليل السياسي: فالاحتجاج داخل مؤسسات الدولة ذاتها -لا في مواجهتها من الخارج- يُشير إلى أن الأزمة الاقتصادية تُقوّض قواعد الولاء المؤسسي داخل المنظومة الحكومية نفسها. وهو ما يُعدّ مؤشراً أكثر إلحاحاً في التحليل السياسي مقارنةً بالاحتجاجات المعتادة لعمال القطاع الخاص.
2. قراءة قطاعية: حراك العاملين في قطاع المياه كظاهرة مفصلية:
يكشف متغير “قطاع الفعالية” عن ظاهرة مفصلية لم تكن ظاهرة بالتحليل التقليدي: قطاع الزراعة والمياه يتصدر بـ 447 فعالية (24.2%)، يتمثل معظمها في تظاهرات ميدانية (428 فعالية)، تمركزت بنسبة 86% في القاهرة (385 فعالية)، وتحديداً في الربع الرابع الذي شهد 400 من 481 فعالية لموظفي القطاع العام.
يرسم هذا مشهداً واضحاً: موجة ضخمة ومنظَّمة من تظاهرات العاملين في شركات المياه والصرف الصحي في شوارع القاهرة، احتجاجاً على أجور لا تواكب التضخم ومطالبةً بتطبيق الحد الأدنى للأجور. والنمط القطاعي هنا -كثافة عالية، تظاهر ميداني، تمركز جغرافي في العاصمة، تمركز زمني في الربع الرابع- لا يُشير إلى تحركات عفوية متفرقة، بل إلى موجة احتجاجية انطلقت بتنسيق قطاعي مُسبق.
3. المهن النخبوية الحاضرة في الفضاء العام: المحامون والصحفيون كفاعل احتجاجي مشترك:
يُشكّل المحامون والصحفيون معاً كتلةً احتجاجية متميزة البنية في مشهد 2025، تجمعها خاصية مشتركة: كلا المهنتين تعملان في قلب الفضاء العام وتمتلكان تأثيراً مباشراً في الرأي العام والسياسات والمنظومة القانونية. وهو ما يُضفي على حراكهما طابعاً مغايراً لحراك العمال أو الناشطين.
يحتل المحامون المرتبة الثالثة قطاعياً بـ 382 فعالية، تتمركز في الربع الثاني تحديداً (381 من 382 فعالية)، وتتوزع بين إضرابات عن العمل (270) وتظاهرات ميدانية (111)، وتُصنَّف بنسبة 99.7% ضمن المطالب الاقتصادية. هذا التمركز الزمني الحاد -موجة منظَّمة تملأ ربعاً كاملاً بإحكام- يُثبت أن حراك المحامين كان حملةً مُخطَّطاً لها، لا ردّ فعل عفوي. ويُفسَّر هذا بتضافر عاملين: التدهور الاقتصادي الذي يمسّ الكسب المهني للمحامين ذوي الدخول المتوسطة بفعل التضخم؛ وتراكم المخاوف المهنية-المؤسسية المتصلة باستقلالية القضاء وتغوّل السلطة التنفيذية على المنظومة القضائية.
أما الصحفيون (68 فعالية في قطاع الصحافة)، فيُمثّلون حراكاً مختلف الشكل: 50 اعتصاماً ميدانياً و14 تظاهرة و4 بيانات مطالب، ما يُشير إلى نشاط منتظم وممتد داخل نقابة الصحفيين وفي فضائها المباشر. والمهم في قراءة المساريْن معاً أن كليهما يشتغل من موقع الوساطة المجتمعية: المحامي هو المدافع القانوني عن الحقوق، والصحفي هو الشاهد العلني والمُبلِّغ. وعندما تحتج هاتان الفئتان بهذا الزخم، فإن ذلك يُنبئ بتآكل في المسافة التقليدية بين النخب المهنية والحراك الاحتجاجي في مصر.
4. الاحتجاج على الاحتجاز: السجناء السياسيون وحراك التضامن الحقوقي:
يُشكّل الحراك المرتبط بملف الاحتجاز السياسي مساراً مستقلاً في قاعدة بيانات 2025، يتمايز عن الحراك الاقتصادي والمهني في دوافعه وأشكاله، لكنه يُوازيه في الحجم الكمي: فهو يضم ما مجموعه 634 فعالية حقوقية (34.3% من الإجمالي)، تتوزع عبر ثلاثة مستويات متشابكة.
المستوى الأول: داخل أسوار الاحتجاز، حيث نفّذ السجناء السياسيون 400 إضراباً عن الطعام داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، تمركزت في البحيرة (196)، والشرقية (91)، والقاهرة (51)، والإسكندرية (35)، والوادي الجديد (25)؛ وهو ما يُحيل إلى خريطة مراكز الإصلاح والتأهيل الكبرى وتوزيعها الجغرافي. هذه الإضرابات هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للمحتجزين للتعبير عن رفضهم لأوضاع الاحتجاز أو للمطالبة بالإفراج عنهم، في ظل انعدام سُبل التظلم القانونية الفاعلة.
المستوى الثاني: خارج أسوار الاحتجاز، إذ وثّقت قاعدة البيانات 199 فعالية إضراب عن الطعام نفّذتها الناشطة الحقوقية ليلى سويف، والدة الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، في مقر إقامتها بالجيزة وفاءً بتعهّدها باستمرار الإضراب ما دام نجلها خلف القضبان رغم انقضاء مدة محكوميته القانونية. وقد استمر هذا الإضراب بصورة يومية من يناير 2025 وحتى يوليو 2025 (نحو 199 يوماً موثقاً في البيانات)، ليُشكّل أطول حالة احتجاج فردي مستمر مُسجَّلة في قاعدة البيانات، ويُجسّد نموذجاً للناشطية الحقوقية المبنية على الفعل الشخصي ومرئيتها الإعلامية الدولية.
المستوى الثالث: فعاليات التضامن الجماعي، وتتمثل في 19 بياناً جماعياً ومطالبات إعلامية أصدرتها منظمات حقوقية وناشطون بشكل جماعي للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين أو الاحتجاج على أوضاع الاحتجاز. وتُشير هذه البيانات إلى استمرار اشتغال المنظومة الحقوقية المدنية رغم القيود المفروضة عليها.
قراءة الأرقام الثلاثة في سياقها المتكامل تكشف عن ظاهرة ذات طابع إنساني وسياسي خاص: فالاحتجاج على الاحتجاز لا يزال يُولّد حراكاً احتجاجياً واسع النطاق، سواء داخل أسوار السجون أو خارجها، في دلالة على أن ملف المعتقلين السياسيين يظل محركاً تعبوياً حياً وإن تراجعت حصته النسبية أمام الحراك الاقتصادي.
5. تآكل الأجور في مواجهة التضخم: ديناميكيات الأجر المجمَّد في القطاعين العام والخاص:
تُشكّل أزمة الأجور والمستحقات المحور الاقتصادي الأعمق الذي يُغذّي غالبية الفعاليات الاحتجاجية في 2025. فالمطالب الاقتصادية التي ارتفعت من 86 فعالية في 2024 إلى 1,184 في 2025 تحمل في جوهرها خاصية مشتركة: الفجوة المتسعة بين الأجور الاسمية الثابتة ومستوى الأسعار المتضاعف في مصر خلال الفترة 2022-2025.
في القطاع الخاص، تتركز الاحتجاجات الاقتصادية (273 فعالية) في قطاعات الإنتاج المادي: شركات ومصانع متنوعة (149 فعالية)، والإنشاءات والعقارات (55)، والطاقة والتعدين (50)، والصحة (11)، والنقل (3). ويُعدّ المطلب المشترك في كل هذه الفعاليات شديد الوضوح: أجور لا تواكب التضخم، وصرف مستحقات متأخرة، وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور رغم صدور قرارات حكومية بتحديثه.
في القطاع العام، تنحو المسألة منحىً أكثر تعقيداً: فالعاملون في المؤسسات الحكومية يخضعون لمنظومة أجرية مختلفة، تحكمها هياكل وظيفية تعتمد مكونات متعددة (أجر أساسي، حوافز، بدلات) يُحدد كل منها بشكل مستقل. وقد أفرز التضخم الحاد تفاوتاً صارخاً بين القيمة الاسمية للحوافز والمكافآت وقيمتها الشرائية الفعلية، وهو ما تعكسه مطالب العاملين في شركات المياه والصرف الصحي بشكل جلّي: فهم يتمتعون باستقرار وظيفي نسبي، لكن دخولهم الحقيقية انهارت مع هبوط قيمة الجنيه وارتفاع أسعار كل شيء.
والأهم تحليلياً أن 2025 أثبت أن أزمة الأجور لا تُفرّق بين قطاع عام وخاص: كلاهما يشكو من ذات العلّة، وكلاهما يلجأ إلى ذات الوسيلة. هذا التقاطع يُسقط التفسير القائل بأن الحراك العمالي في مصر مرتبط حصراً بظروف القطاع الخاص وغياب الحماية فيه؛ فها هم موظفو الدولة يخرجون إلى الشارع للمطالبة بما يُؤمّن حياتهم، وهو ما يجعل الإشكالية الجوهرية سياسة الأجور الكلية في مصر، لا علاقات العمل في قطاع بعينه.
6. انتقالة نوعية في شكل الحراك: صعود التظاهر الميداني:
ارتفاع التظاهرات الميدانية من 47 إلى 624 (13 ضعفاً) والاعتصامات من 13 إلى 73 يُشير إلى تراجع ملحوظ في درجة الإحجام عن الفعل المباشر في الفضاء العام. في السياق المصري الذي شهد فيه الاحتجاج الميداني عقوبات رادعة منذ 2013، يُعدّ هذا التحوّل ذا دلالة بنيوية: إذ يُعبّر عن تقدير اجتماعي بأن تكلفة الصمت باتت تساوي أو تفوق تكلفة الاحتجاج في حسابات قطاعات واسعة من المجتمع. وتتركز هذه الفعاليات الميدانية في المحافظات المركزية والبحيرة والشرقية.
7. قراءة في ديناميكيات الاستجابة الأمنية: تحوّل بنيوي أم إعادة تعيير؟
يُثير التباين الصارخ في معدلات الاستجابة القمعية بين العامَين تساؤلات تحليلية جوهرية: انخفض معدل الفعاليات التي تعرضت لاستجابة قمعية من 66.7% في 2024 إلى 16.4% في 2025. والأهم أن هذا الانخفاض لم يكن مفاجئاً، بل كان امتداداً لمنحنى بدأ بالفعل في الربع الرابع من 2024 الذي سجّل بدوره معدل قمع منخفضاً نسبياً (17.6%).
وعند النظر في توزيع الاستجابة القمعية على أرباع 2025، تظهر صورة أكثر دقة: جاء الربع الثالث بأعلى معدل قمع في العام (31.7%)، وهو الربع الذي تراجعت فيه فعاليات المحامين الضخمة (بعد أن ملأت الربع الثاني) وارتفع فيه الحراك في قطاعات أخرى. في المقابل، سجّل الربع الثاني -رغم كونه الأعلى في عدد الفعاليات (686)- أدنى معدل قمع (12.5%). هذا التباين الداخلي يُشير إلى أن الاستجابة الأمنية لا تتعلق بحجم الحراك الكمي وحده، بل بطبيعة الجهة المحتجّة وسياقها.
يمكن تفسير هذه الديناميكية عبر جملة من الاحتمالات التي لا تنفي بعضها: فقد يعكس انخفاض المواجهة المباشرة تقديراً للحجم الهائل للحراك واتساع قاعدته الاجتماعية والمهنية، مما يجعل المواجهة المباشرة والشاملة ذات تكاليف أعلى مما كانت عليه حين كانت الاحتجاجات محدودة النطاق والفئات. ويمكن في السياق ذاته أن يكون الاتساع الاجتماعي للحراك -وامتداده إلى قطاعات كانت تاريخياً أقرب للنظام كالمحامين والموظفين الحكوميين- قد أسهم في تضييق هامش الردود القمعية الشاملة. وبصرف النظر عن الدوافع الفعلية، فإن ما تُثبته البيانات هو مآلٌ موضوعي واضح: تعلّمت الجماعات الاحتجاجية الواسعة أن المطالبة ممكنة، وهو ما يُرسّخ ثقافة احتجاجية تدريجية لها أثر تراكمي على أفق الحراك الاجتماعي في المدى المتوسط.
8. تركّز جغرافي مع توسع هامشي وأنماط مستجدة:
يستمر الثقل الجغرافي في المحافظات المركزية (51.8%)، غير أن الجديد في 2025 هو ارتفاع حصة المحافظات الحدودية (من 1% إلى 5.6%) ومحافظات الصعيد (من 7.1% إلى 13.7%)، مما يُشير إلى توسع جغرافي تدريجي. ظاهرة البحيرة (من 8 إلى 217) تحمل طابعاً مزدوجاً: فهي من ناحية مرصد مراكز الإصلاح والتأهيل (196 إضراباً عن الطعام داخل مرافق الاحتجاز)، ومن ناحية أخرى ساحة للحراك العمالي في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية. بينما يرتبط تمركز القاهرة الاستثنائي في الربع الرابع (420 فعالية) بموجة تظاهرات العاملين في قطاع المياه بصورة رئيسية، مما يجعل الجغرافيا الاحتجاجية للعاصمة في 2025 تحمل توقيعاً قطاعياً واضحاً يختلف عن سنوات سابقة.
سادسا: التوصيات:
تستند التوصيات التالية إلى الإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه مصر (1982)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1981)، فضلاً عن توصيات الاستعراض الدوري الشامل (UPR) للجولتين الثالثة (2019) والرابعة (2025) التي لم تُنفَّذ.
أ. الإصلاحات التشريعية:
- مراجعة قانون التجمعات رقم 10 لسنة 1914 وتعديلاته: يُقيّد هذا القانون حق التجمع السلمي الذي كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته العشرين، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية في مادتيه 21 و22. ويتعارض النص الحالي مع المعايير الدولية التي تُحوّل نظام الترخيص المسبق إلى نظام إشعار. طالبت توصيات UPR 2019 و2025 صراحةً بـ”ضمان الحق في التجمع السلمي وتقييده فقط عند الضرورة واتساقاً مع المعايير الدولية”.
- إلغاء أو تعديل جوهري لقانون مكافحة الإرهاب (2015): وُظّف القانون لتجريم الاحتجاج السلمي وحرية التعبير والنشاط النقابي، في تعارض مع مبدأ قانونية الجريمة الواردة في المادة التاسعة من العهد الدولي للحقوق المدنية.
- تعديل قانون العمل لضمان تطبيق الحد الأدنى للأجور في القطاعين العامّ والخاص: تُجسّد فعاليات 2025 فجوة قانونية واضحة بين الإقرار التشريعي بالحد الأدنى وغياب الآليات التنفيذية. يقتضي ذلك تفعيل نظام تفتيش عمالي مستقل وآليات إبلاغ ميسّرة وربط الحد الأدنى بمؤشر التضخم.
- تعديل قانون النقابات العمالية لتمكين النقابات المستقلة: تصاعد حضور الروابط المهنية المستقلة في 2025 رغم القيود، مما يعكس تجاوزاً ميدانياً للإطار القانوني يستلزم التطبيع التشريعي وفق الاتفاقية الدولية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية.
ب. الإصلاحات المؤسسية والقضائية:
- إلغاء الاحتجاز السابق للمحاكمة كأداة ضبط: استُخدم الاحتجاز الاحتياطي (المادة 143 إجراءات جنائية) كأداة منهجية لقمع الناشطين، في تجاوز صريح للمادة التاسعة من العهد الدولي. طالبت توصيات UPR 2019 بـ”وضع حد أقصى لفترة الاحتجاز السابق للمحاكمة”.
- مراجعة اختصاص القضاء العسكري على المدنيين: طالبت 27 دولة خلال جلسة UPR 2019 بتقييد هذا الاختصاص، وتجدّدت المطالبة في 2025.
- إنشاء آلية مستقلة للتظلم من انتهاكات قوات الأمن: رغم تراجع معدل القمع المُسجَّل إلى 16.4% في 2025، تبقى 303 فعاليات قد تعرضت لاستجابة قمعية، وهو ما يستلزم إرساء هيئة رقابية مستقلة وفق المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة.
ج. توصيات على صعيد تفعيل الاتفاقيات الدولية:
- المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية (حرية تكوين الجمعيات): تمكين الاتحادات النقابية المستقلة من العمل دون تدخل السلطة التنفيذية.
- المادتان 6 و7 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية (الحق في العمل وشروطه): ربط الحد الأدنى للأجور بمؤشرات التضخم وإلزام التطبيق في القطاعين العام والخاص.
- توصيات UPR 2019 و2025 غير المُنفَّذة: في يوليو 2025، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إزاء قبول مصر الشكلي لـ 210 من أصل 343 توصية من الجولة الرابعة دون بوادر تنفيذ فعلي.
د. توصيات للسياسة الاقتصادية كشرط مسبق لاستقرار الفضاء المدني:
- إصلاح منظومة الأجور في القطاع العام ومراجعة هياكل الأجور الحكومية: تكشف بيانات 2025 أن منظومة المكونات المتعددة للأجر الحكومي (أجر أساسي، حوافز، بدلات) خلقت تفاوتاً صارخاً بين القيمة الاسمية والقيمة الشرائية الفعلية. يقتضي ذلك مراجعة شاملة تربط مكونات الأجر بمؤشرات التضخم وتكلفة المعيشة.
- الشفافية في السياسات الاقتصادية وإشراك ممثلي العمال: إرساء هيئات تفاوض ثلاثية (حكومة-أصحاب عمل-عمال) وفق نموذج منظمة العمل الدولية يُتيح قناةً مؤسسية للتعامل مع المظالم قبل تحوّلها إلى فعاليات ميدانية.
سابعا: المصادر والمراجع:
أ. المصادر الأولية
• مخزن البيانات المفتوحة (ODT)، قاعدة بيانات الفعاليات الاحتجاجية في مصر 2024 — https://opendatatank.org/egypt-event-catalogue-2024-ar/
• مخزن البيانات المفتوحة (ODT)، قاعدة بيانات الفعاليات الاحتجاجية في مصر 2025 — https://opendatatank.org/egypt-event-catalogue-2025-ar/
ب. أوراق السياسات والتقارير الحقوقية المرجعية
• مؤسسة حرية الفكر والتعبير (AFTE)، ورقة سياسات: تقييد حرية الإعلام بدعوى مجابهة الأخبار الزائفة، فبراير 2025 — https://afteegypt.org/research/policy-papers/2025/02/17/39710-afteegypt.html
• مؤسسة حرية الفكر والتعبير (AFTE)، أوراق سياسات متعددة، فبراير 2025 —
• المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (ECESR)، واقع ومستقبل الحماية الاجتماعية في مصر — https://shorturl.at/GUHCi
• المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (ECESR)، مؤشر عام للأجور كأداة لصياغة السياسات الاقتصادية في مصر — https://shorturl.at/x5lpo
• لجنة العدالة (CFJ)، نشرة العدالة العمالية — مارس وإبريل 2025: رصد الاحتجاجات العمالية المتصاعدة — https://www.cfjustice.org/egypt-the-cfj-documents-escalating-labor-protests-in-labor-justice-bulletin-for-march-and-april-2025/
• منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW)، التقرير العالمي 2025 – مصر: استمرار القمع الشامل وتداعيات الأزمة الاقتصادية على الحقوق الاجتماعية — https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/egypt
• منظمة العفو الدولية، تقديم إلى الدورة الثامنة والأربعين لفريق عمل الاستعراض الدوري الشامل (UPR) – مصر: أزمة حقوق الإنسان والإفلات من العقاب، يناير 2025 — https://www.amnesty.org/en/wp-content/uploads/2024/10/MDE1285522024ENGLISH.pdf
• منظمة العفو الدولية، بيان: مصر يجب أن تعالج أزمة حقوق الإنسان بعد نتائج الاستعراض الدوري الشامل، يوليو 2025 — https://www.amnesty.org/en/documents/mde12/0078/2025/en/
• شبكة يورو-متوسط لحقوق الإنسان (EuroMed Rights)، تقرير أزمة حقوق الإنسان في مصر، يوليو 2025 — https://euromedrights.org/wp-content/uploads/2025/07/250811_EN_BaselineResearch_EMR.pdf
ج. الأطر القانونية الدولية
• العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) — مصادقة مصر 1982، المواد 9، 14، 19، 21، 22.
• العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) — مصادقة مصر 1981، المواد 6، 7، 8.
• مجلس حقوق الإنسان الأممي، تقرير UPR — مصر، الجولة الثالثة 2019، وثيقة A/HRC/43/16.
• مجلس حقوق الإنسان الأممي، تقرير UPR — مصر، الجولة الرابعة 2025.
• مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قِبَل موظفي إنفاذ القانون، 1990.
